عندما أيقظتني أمي صباح يوم بارد!

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

عندما أيقظتني أمي صباح يوم بارد!

مُساهمة من طرف zyooos في الثلاثاء 15 يوليو 2008, 13:57

عندما أيقظتني أمي صباح يوم بارد!

--------------------------------------------------------------------------------

عندما أيقظتني أمي صباح يوم بارد!
بقلمي
لا أحد كان شاهداً، لأن الشهود الذين يفترض أن يقدموا المصداقية للحدث يقللون من أهميته في ظروف خاصة، لذلك أحمد الله أن أحداً لم يكن موجوداً لكي لا يقلل من قيمة الحدث القدسي الذي وقع صبيحة اليومين الباردين اللذين سأتحدث عنهما!
كان الثلج قد غطَّى دمشق على غير عادة، وكان الأطفال، وأنا منهم يتمنون في هذه الحالة، أن تغلق المدارس لكي يُمضوا وقتاً طويلاً مع الثلج.. كنت أحلم وأنا أغط في نوم عميق بنوارس زرقاء تحملني على جناحيها فوق البحر. وكان الدفء الذي يلفني في الفراش يصنع للحلم طقساً خاصاً يجعلني غير قادر على النهوض مهما كانت الإغراءات.
وسمعت صوتها..
جاءني صوت أمي حنوناً طيباً لايمكن وصف حنانه:
ـ قم تفرج على الثلج!
وبالطبع لم أقم .. لأن صوتها أبقاني في حلم النوارس الزرقاء مشدوهاً في المشهد الكوني للبحر.. وصلتني الدعوة للاستيقاظ والنهوض دون أن ينقطع الحلم، وهذه ميزة حنان الأمهات!
اقتربت مني. مسحت بيدها الدافئة على جبيبي، وجددت دعوتها:
ـ قم تفرج على الثلج!
اختلط المشهد علي.
راحت زرقة البحر.. صار لون البحر أبيض أبيض.. لكن النوارس ظلت تحملني وتصفق بجناحيها في مدى الحلم العجيب.
ــ هيَّا.. يا كسلان.. قم.. شو ما بتحب الثلج؟!
وأنا أحب الثلج. تعرفني أمي كيف أصير فراشة ثلجية عندما يهطل الثلج في بلادنا.. أقفز من نافذة إلى نافذة.. أصيح إخوتي كي يتفرجوا.. أقول لهم مبالغاً إن نتف الثلج قد الرغيف.. أبالغ في الوصف لكي أقود صورة المشهد على النحو الذي أريد.. أرسم صورة لإخوتي الصغار تشبه زركشات طفل مشاغب يعبث بألوان زيتية.
ـ تعالوا شوفوا! بربكم شوفو العصفور على الشجرة .. صار أبيض .. ارتدى قميصاً أبيض .. وضع قبعة من الثلج.. تعالوا شوفوا! بربكم شوفوا شجرة الكباد صارت بيضاء.. ارتدت رداء صلاة أبيض.. بربكم شوفوا مئذنة الجامع ما أحلاها.. شوفوا أجراس الكنائس.
وكان إخوتي ينطون من نافذة إلى نافذة، وأنا أدور في البيت.. أبحث عن كل النوافذ لأرى المشهد. وقد عرفت فيما بعد معنى هذا الدوران لأنه لا يمكن لك أن تعرف حقيقة الثلج إلا إذا شاهدته يملأ المدى.. لذلك يخاف الثلج أن تكتشف عريه فيومض أمامك ببياضه الناصع فتتشوه الرؤية عندك!
عاد صوت أمي:
ـ ثلج كثير يملأ الدنيا.. قم حبيبي!
وقبلتني على جبيني كملاك أحب طفل!
نهضت.. ورحت أدور.. وأدور.. وأدور!
بعد أكثر من ربع قرن، وكنت قد خرجت لتوي من سجن طويل بعيداً عن أمي.. كان المشهد نفسه يشتعل في ذاكرتي، لكن أبطاله تبادلوا الأدوار.
كانت أمي تغط في نوم عميق صنعه السرطان في رأسها.. وكانت برودة الفراش معجونة ببرودة موت قادم، لكنها مع ذلك كانت تحلم بنوارس زرقاء تحملها على جناحيها فوق البحر.. تأخذها إلى ملكوت الرحمة لتريحها من عبث المرض اللعين والأقدار الصعبة التي حاصرت سنواتها الأخيرة بالمرارة، وسجني كان جزءاً منها.. ناديتها:
ـ قومي ماما.. الثلج يملأ الدنيا.
لم تقم.. كانت تداعب وهج الحلم الخير في حياتها المرة.. وكانت النوارس تطير وتطير.
ارتفع صوتي:
ـ قومي ماما.. لاتكوني كسولة.. الثلج يملأ الدنيا!
لم تقم أبداً.. كان بياض الكفن الأبيض قد لون الصورة الأخيرة في عينيها الجميلتين.. وكان ثمة بياض يغلف الكون مع خليط من التراتيل والأدعية والصراخ ونحيب عميق في داخلي يشبه صوت انهيار!
قبلتها على جبينها البارد، وغطيت وجهها الجميل الذي غدا بلا ملامح بغطاء السرير الأبيض.
أحسست أني عدت إلى الماضي أدور وأدور وأدور، وأنا أحكي عن الثلج وأصلي لله أن يتوقف الزمن على هذا النحو كي لا تموت أمي على ساعدي أنا الطفل الذي بلغ من العمر نحو أربعين عاماً.. أربعين عاماً من النوارس المقيدة!
يا رب تكون نالت إعجابكم

zyooos
عضونشط
عضونشط

انثى عدد الرسائل : 110
البلد : سوريا
رقم العضوية : 5
تاريخ التسجيل : 26/03/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى