قصـــــــــــــة الفطيـــــــــــرة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

قصـــــــــــــة الفطيـــــــــــرة

مُساهمة من طرف تدري مين يحبك في السبت 31 مايو 2008, 13:24

قصة الفطيره

--------------------------------------------------------------------------------

الفطيرة
-



هل هذه الفطائر ساخنة؟
- نعم
- ولذيذة؟
- نعم . كم واحدة تريد؟
( عبث الصبي بجيب سرواله الرث ثم أخرج يده قائلا بكل ثقة)
- ليس الآن . سوف يكون معي ثمنها يوما ما.

اعتاد ذلك الصبي الصغير ذو الوجه المستدير والعينين الغائرتين - بخصلته السوداء الملقاة على جبينه الأبيض في إهمال محبب , أن يقف على رصيف الشارع قبالة الواجهة الزجاجية لمحل بيع الفطائر , متفرسا من خلف الزجاج في رواد المحل وهم يلتهمون الفطائر الساخنة في نهم شديد
.و كان هذا الحوار يدور مع البائع كلما مر الصبي من هناك؟
في الصباح الباكر كان يمكنني رؤية هذا الصبي واضعا يديه في جيوب سرواله الرث مانعا إياه من الانزلاق عن خاصرته النحيلة , مطرقا برأسه إلى الأرض .. يركل حجرا بمقدمه حذائه المهترئ .. يعاود اللحاق به في إصرار كلما ابتعد عنه ليركله من جديد حتى ينعطف إلى طريق مدرسته حاملا جراب كتبه على ظهره وقد شد حول كتفيه بجبل رفيع.
- هل هي فطائر ساخنة؟
- كما تحب.
- احزر ما في جرابي؟
- ما هو درسك المفضل ؟
- أحب معلم التاريخ. لقد قام البطل ....
- لم يسمع البائع المقطع الأخير من حديث الصبي إذ انصرف ملبيا حاجة اثنين من زبائن المحل الأجانب
- على أبه حال كان وجود سائحين في مدينة مهددة بغارات جوية مفاجئة أمرا غريبا , لعلهما مراسلين أجنبيين لتغطية حرب ألقت بظلالها الكئيبة على تفاصيل الحياة في هذه المدينة الحدودية الصغيرة.
أعطاهما البائع فطيرتين , دفعا إليه الثمن ثم أخذ أحدهما يغمز زميله بلغة لم يفهما غيرهما وهو ممسك الفطيرة بأطراف أصابعه.
ضحكا بصوت مرتفع وغادرا المكان. وبنظرة حادة علق الصبي عيناه عليهما حتى اختفيا.
سار الصبي إلى بيته كمن يحمل جراب هم على كاهله الصغير, ورغم إصرار على تحقيق شئ ما قد لمع في عينيه ,إلا أن قلقا قد كسى وجهه المصفر, أبان عما في قلبه الصغير من حزن دفين.. راح يبدده بركل حجر صغير بمقدمة حذائه المهترئ ماضيا, مطرق الرأس , في طريقه الذي لم يخل أبدا من حجر هناأوعثرة هناك.
حين لاح قادما من مدرسته ظهر ذلك اليوم الذي تعكر صفوه ببعض الغيوم , كان الصبي على غير عادته , مستقيم العود, يمشي نحو دكان الفطائر في همة بادية وإصرار كبير.
فجأة دوت صافرات منذرة بغارة وشيكة.
بعد قليل ستكون المدينة الصغيرة تحت رحمة النار والحديد
أوقفت السيارات إلى جانب الطريق وهرول الناس في كل اتجاه احتماء بساترأو اختفاء في قبو بناية على حين أسرع أصحاب الدكاكين بإغلاق الواجهات , وانهمك الباعة الجائلون في لملمة بضائعهم التافهة
والفرار.
دبت في الشارع روح من الذعر وحب الحياة في آن واحد.
إلا هذا الصبي , مضى في طريقه كأن الأمر لا يعنيه , سار في طريقة منتصب القامة واثق الخطى, وقد ساد المكان سكون وترقب لمصير لا يعلمه إلا الله..
وقف الصبي قدام دكان الفطائر:
- أريد فطيرة ساخنة محلاة بالسكر.
اعترت البائع دهشة بالغة وهو في عجلة من أمره لمغادرة المكان ... فصرخ : - اذهب الآن انهم قادمون !!
-لا بل اعطني الفطيرة ... الآن .... هاك ثمنها.
ومد ذراعه النحيلة مشدودة , باسطا كفه الصغير بقطع من نقود معدنية.
-اذهب ألا تسمع الصافرات .. ؟.!! انهم ....
أصر الصبي على طلبه وتسمر قدام واجهة الدكان الزجاجية
في ذات اللحظة التي شق فيها السكون أزيز طائرات, تحول إلى هدير تنخلع له القلوب, تبعه صفير ممتد وسقط شئ ما قبالة الدكان فانقدح وميض حاد وانفجار هائل مصحوب بريح صفراء مجنونة انتزعت المدينة من جذورها.
سمعت أصوات انهيار وتكسر زجاج واصطدام حديد بحديد وصرخات آدمية.
انحسرت سحابة الدخان والتراب كاشفة عن شارع مبقور ورائحة بارود وأكوام حجارة وزجاج وشظايا حديد , وانين , وأشلاء, ودماء منتشرة في محيط دائرة كبيرة .
لم يتضح من ذلك شئ واضح المعالم , إلا كتاب تاريخ لتلاميذ المدارس الأولية , وأصابع آدمية صغيرة مطبقة بقوة على جزء ٍمن فطيرة ساخنة.
avatar
تدري مين يحبك
عضو فعال
عضو فعال

ذكر عدد الرسائل : 421
العمر : 34
رقم العضوية : 3
الأوسمة :
تاريخ التسجيل : 24/03/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى