ألـــــــــضــــــــــيــــــــــــــــــاع

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

ألـــــــــضــــــــــيــــــــــــــــــاع

مُساهمة من طرف اميره في الأربعاء 09 يوليو 2008, 19:40

ألـــــــــضــــــــــيــــــــــــــــــاع
--------------------------------------------------------------------------------

تقديم ..هده القصة كتبت فى نهاية السبعينيات من القرن الماضى ...احببتها ..ولا زلت أحبها
لأنها واقعية ..أشخاصها حقيقيين ...لا تغير إلا فى الأسماء ..أنقلها كما كتبتها زمان...تعبر أتناء
حقبتها عن واقع ..إجتماعى ..إقتصادى..سياسى..معاش..بوطنى المغرب

الــــــــــضـ ــــيـــــــاع

فى وسط مدينة الدار البيضاء يوجد كريان الحى المحمدى ....لايعرفه السائح ولا الزائر ..بل يعرفه ساكنه ومن ترعرع فيه..بجانبه الأيمن حديقة ذابلة الأزهار ..مكسرة الكراسى متساقطة الأشجار..تعيش خريفا دائما ...ربيعها هم أطفال الكريان الدين يفرون من مرتاع الأزبال والقدورات قاصدينها للعب مع
بعضهم ..حيت ترتسم على ملامحهم علامات البؤس ..والضياع...ويضهر لك وسطهم حارس الحديقة
عباس..المتقدم فى السن والدى يحرس على لا شئ ..يهددهم بعصاه الطويلة طالبا منهم العودة إلى جحورهم ..يعد عباس حقا مخزن المعلومات للحى المحمدى ..يعرف كل شئ ...ويحكى لك عن كل شئ بالمقابل ..او بدون مقابل ..
بجانبه الأيسر منازل شيدت حديتا ..سميت بالسعادة..ياله من تناقض عجيب...السعادة تتكىء على الشقاء والضياع..هدف أصحابها الدخل والد خل على حساب الغير ..
وسط هدا الكريان ..حى الضياع ..يوجد كوخ بامحمد رجل أتقلت كاهله الأيام فتقوس ظهره من كترة
إنحنائه على عربته الصغيرة التى قضى عمره الطويل يجرها لبيع الخضروات متجولا فى الأحياء
الشعبية ....له سبعة أبناء ..أكبرهم كلتوم وهى فتاة فى العشرين منعمرها..صب الله عليها من الحسن
والجمال ما لاتطيق الألسنة عن وصفه لها شعر أشقر كاما أرسلت الشمس أشعتها الدهبية فوقه حسبتها
تضع فوق رأسها تاجا من تيجان ملوك الرومان ..ولها وجنتان ..كأن الورود قد قطفت من حدائق بابيل
ورمت نفسها بهما ..نحيفة الجسد كل ما بها يكاد يتكلم من الحسن والجمال ..وحتى حديثها يستهويك ..
فهى تتحدث إليك فى خجل وحياء ..رغم أنها لم تتعلم ..وكانت كلتوم بحق طاوس الحى الضائع ....
جميلة ومع جمالها تنام العفة ..والكرامة ..والشرف..فهى راضية بما قسم الله لها ..صبورة عن الحياة
المتواضعة ...تساعد والدتها العجوز فى السهر على الأبناء وأشغال الكوخ ...ولكن كل طائر ذهبى جميل
يكون مطمح الصيادين ..وكلتوم لم تستسلم لأن بامحمد كان يحميها رغم فقره وضعفه ..وشيخوخته..
وكانت تجده الصدر الحنون الدى تخفى فيه دموعها كل مســــــاء
لكن تمشى الرياح بما لا تشتهى السفن ..ويشاء القدر أن تخطف يد المنون فى أحد ليالى الشتاء با محمد
ويختفى الصدر الحنون ..وتضيع دموع كلتوم فى دروب البؤس ..والفقر ..والحرمان..والضياع..
لقد أسقط القدر صخرة كبيرة من المأسى على أسرة كلتوم بموت با محمد فخرجت بها عن مجراها الطبيعى
وأصبحت كلتوم ترى الصغار يتمزقون جوعا ..ويعيشون فى جحيم لا يطاق ..وكانت المسكينة تهرب من
الجوع..والجحيم إلى الحديقة المجاورة لتسكب دموع مأسيها فوق الأوراق المتساقطة ..وتعانق بشغف
الأغصان المتكسرة ..ضامة حزنها الى حزن الطبيعة ..وكان الحارس العجوز عباس يعرف مأساة الأسرة
فأستغل ضعف كلتوم وتقرب منها يواسيها ..ويضمد جراح الحرمان فى نفسها ...وفى كل مساء أتناء عودته إلى منزله كان يمر على كوخ با محمد ..حيت يمنح لكلتوم بعض الخضر والخبز والتى يجود بها عليه صديقه المخزنى بعد أن يأخدها رغما للباعة الفقراء فى سوق الفقر والضياع والحرمان ...أمنت الأسرة الــى
عباس وضنت كلتوم أن السماء أن السماء أمطرت عليها بأب تانى ..مسكينة هى..وعدها عباس بأنه سيتدخل لها عند أحد أرباب المعامل ..هو صديق حميم له ..يسكن حى السعادة ..لإجاد عمل لها ...
وقال إن رب العمل رؤوف بالعمال ..محب للخير ..وقد وعدهم بأن يصبحوا شركاء له فى الأرباح ..
سيطبق النظام الأشتراكى ..الدار لمن بناها ..والمال لمن تعب فيه...والخيرات لمن زرعها وجناها ..
إطمإنى يا كلتوم ستشتغلين وتنقضين أسرتك من الضياع ..إن رب المعمل صديق ولن يخيب لى رجاء
ثاقت المسكينة بالوعود المعسولة الكادبة ..وأمنت على نفسها وإخوتها ..قائلة ...غدا سأشارك رب المعمل فى الأرباح ..غدا...وبقيت تنتظر الغد ..والغد بعيدا ..وأصبح الحارس هو الأمل .....
ودات مساء طرق باب الكوخ عباس حارس الحديقة حاملا بإحدى يديه الخضر وبالأخرى دجاجة سمينة
وقال لكلتوم دعى هدا لأمك وهيا بنا لندهب عند رب المعمل ..تهلل وجه كلتوم فرحا ..وأزداد جمالها جمالا
وأرتدت أحسن أتوابها لإستقبال يوم الرجاء ..اليوم المنشود ..لم تكن تعتقد أنها ستذهب مع شيطان فى توب إنســان ..أخدها إلى أحد دور البغاء وهى بدالك جاهلة ..وقال لها سننتظر هنا رب المعمل الى أن يعود ..
وبدء يلاطفها ..ويلمس شعرها الذهبى ...يقبلها من حين لأخر ..وهى تبتعد وتقاوم ...لكن إنقض عليها
كالذئب وبزغ مخالبه فى جسدها ومزق لها توبها الجميل الدى إشتراه با محمد المرحوم من عرق جبينه ..
قاومت المسكينة ..وصرخت ..لكن قواها أنهارت ..وضاع صراخها عبر الأثير...
إستسلمت لشيخ حيث حطم الشرف ..والكرامة ...فى لحظة وجيزة ...حطم ما أستحفظت عليه كلتوم ...
عشرون سنــــة ...وأنهار صرح الجمال ..وتلاشت خيوطه فى أزقة الوعود الكادبة ..والأحلام المعسولة .
فى أزقة الفقر ..والحرمان ..والضياع...وهبت كلتوم فى الصباح من الفراش لتجد كل شئ ضاع منها ..
وتجد العجوز عباس يحدق إليها بعيون جامدة ..ويقول لها ان رب المعمل قد تأخر ..ولكنى اليوم سألقاه ..لاتخافى ..ستشاركين رب المعمل فى الأرباح ...وتتساقط دموع كلتوم بدون إنقطاع ..وتأخد
نعلها البلاستيكى ..وجلبابها الممزق فترتديه لتعود إلى كريان الحى المحمدى ....مكسورة الجوانح ... تتعثر فى خطاها ..وكل شئ ضاع منها..تفتح باب الكوخ يستقبلها إخوتها الصغار متسائلين ..هل دخلت الى العمل؟ ..وتتهاطل الدموع من عيون كلتوم...فتهرع الى صورة المرحوم با محمد لتدفن نفسها بين أحضانها فهى عزاؤها الوحيد ..تتغير نظرة كلتوم الى المجتمع ..وتثور على تقاليده ..تهيم بلا إنقطاع..
وتتيه في شوارع الدار البيضاء لا هدف لها ولا إتجاه ...سوى الضياع..والتشرد...باحتة عن من يدفع
لها ثمنا أكتر فى شراء جسدها..تحوم من بيت إلى بيت ..ومن فراش الى فراش..كفراشة تبحت وتحوم
عن النور لتحرق نغسها ...
وتعود كلتوم كل مساء الى إخوتها الصغار لتسد رمقهم وتطرد عنهم شبح الجوع ..قائلة لهم ..لقد
أصبحت شريكة لرب المعمل فى الأرباح ...وهى بدلك تسخر من نفسها ..ومن مجتمعها الدى لايرحــم
وتستيقض غدا من جديد لتذهب الى دروب الضياع ..وكل يوم تنتظر فيـــــــــه الغــــــــد..
من المغرب الشقيق ..
..
..
ملــــحـــوظة...
القصة أعلاه..."ألضياع" سبق نشرها بجريدة ألبيـــان المغربية ...يوم الثلاتاء......
17 ـ10 ـ1978 العدد 1119 صفحة 3 أنقلها الى الموقع كما تمت كتبتها من طرف الأخ أنوار عبد المولى أتناء تلك الفترة .. بصدق وإخلاص مع أجمل التحيات الى القراء الكرام ..والمشرفين على الموقع
تحيتي

_________________
طاوعـكــ قلبـكــ .. تغيب وتهجر احبابـكــ
تنســـى غلاهــم وتتركهــم
وتنساهـــم

حـــرام
تتـــركـ خفوقـــي يشكـــي غيابـكــ

وانـــت
في قلبـــي أعـــز النـــاس وأغلاهـــم

الدمعـــهـ الحزينـــهـ
avatar
اميره
مشرفة
مشرفة

انثى عدد الرسائل : 246
العمر : 36
البلد : سوريا الأسد
رقم العضوية : 2
تاريخ التسجيل : 24/03/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى